-->

الصرصار .. واللون الأحمر فوق شفاة أى فتاة وامرأة أقدم كائن حى على سطح الأرض .. ويسارع لتنظيف نفسه إذا اضطر أن يلمس أى إنسان

الصرصار .. واللون الأحمر فوق شفاة أى فتاة وامرأة  أقدم  كائن حى على سطح الأرض .. ويسارع لتنظيف نفسه إذا اضطر أن يلمس أى إنسان




    بقلم الكاتب الكبير : ياسر أيوب

    لا أريد أن أصدم أى فتاة أو إمرأة ولكن الحقيقة هى أن معظم مستحضرات التجميل لا تأتى من مصادر طبيعية كما يقال فى الإعلانات .. إنما يأتى معظمها من القمل والصراصير .. والصراصير تحديدا هى المصدر الطبيعى لصناعة أحمر الشفاة عن طريق مادة الكارمين التى يتم استخراجها من الصراصير
     وبالإضافة لهذه الحقيقة العلمية .. فالصرصار هو الكائن الوحيد على سطح الأرض الذى لا يحوى جسمه على أى بكتيريا أو ميكروبات بعكس كل الكائنات الأخرى بما فيها الإنسان نفسه.. بل إن الصرصار هو الذى يحرص بسرعة هائلة على تنظيف نفسه إن اضطر لملامسة أى إنسان.. أى أنه علميًا وبيولوجيًا هو الذى يشعر بالقرف منا وليس العكس.. فنحن لسنا بنظافة الجسم الداخلى لأى صرصار.. وعلى الرغم من أن هناك على سطح الأرض أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة نوع من الصراصير فإن عشرين نوعًا فقط منها هى التى بإمكانها العيش فى بيوت الناس
    ويبقى السؤال الحقيقى بعد ذلك هو لماذا يكره عموم الناس الصراصير؟.. لماذا يشعرون حيالها بالقرف.. ولماذا يخافها الكثيرون منهم وبالتحديد معظم الفتيات والنساء ورجال كثيرون أيضًا.. هل هو شكلها.. هل هى سرعتها المربكة التى تثير الاضطراب.. هل هى رائحتها المثيرة للاشمئزاز.. فالمؤكد أن الصرصار هو أكثر حشرات الأرض رفضًا من الجميع ومن كل الثقافات والجنسيات.. وإذا كنا فى مصر نعتبر وصف أى أحد بالصرصار بمثابة شتيمة وإهانة وسخرية بالغة.. فإن حديقة الحيوان فى مدينة سان فرانسيسكو قررت فى شهر يناير الماضى تقديم هدية لكل شاب هجرته حبيبته أو كل فتاة أو امرأة هجرها حبيبها عبارة عن صرصار.. مجرد رمز لهذا الحبيب الخائن أو تلك الحبيبة القاسية.. وهى إشارة إلى أنه دائمًا باستطاعتك سحق حبيبك أو حبيبتك التى هجرتك وكأنه أو كأنها مجرد صرصار.. وإلى جانب الشكل والسرعة والرائحة يكره الناس أيضا صوت الصرصار الذى هو فى اللغة العربية الصرير أو الصرصرة.. وهو صوت مزعج للإنسان لكنه ليس كذلك للصرصار نفسه
    والصرصار كائن تاريخى .. فهو أقدم الكائنات الحية على سطح الأرض ومن أغربها أيضًا.. يقول العلماء إنه على سطح الأرض منذ خمسين مليون سنة بينما يبلغ عمر الإنسان على سطح الأرض فقط أربعة ملايين سنة.. وقد نجا هذا الكائن الغريب والاستثنائى من خمس موجات انقراض شهدتها الأرض اختفت بعد كل موجة منها معظم الكائنات الحية.. وفى الموجة الخامسة مثلاً انقرضت الديناصورات والثدييات الضخمة.. وبقى هذا الكائن حيًا بعد كل موجة دون أن يختفى.. وهو يستطيع مقاومة أى ظروف صعبة وقاسية وقاتلة.. يعيش فى البرد القارس ويتحمل الحرارة حتى سبعين درجة مئوية.. يعيش فى الغابات الممطرة والصحارى وفى البيوت الدافئة ووسط ثلوج القطبين الجنوبى والشمالى.. وحين ينتشر أى وباء أو مرض قاتل ينجح هذا الكائن بمنتهى السرعة فى إنتاج مضادات مناعية خاصة به تحميه.. كما أنه يأكل كل ما يصادفه من بقايا الطعام إلى التراب والخشب والبلاستيك.. وباستطاعته أن يعيش شهرًا كاملاً دون تناول أى طعام.. وأسبوعًا كاملاً دون ماء.. وبإمكانه التوقف عن التنفس تمامًا خمسًا وأربعين دقيقة دون أن يموت.. بل إنه يمكن أن يعيش سبعة أيام كاملة بعد قطع رأسه.. كائن لا يملك عينين وعاجز عن الرؤية لكنه يملك قرون استشعار فى منتهى الحساسية تجعله يعرف طريقه ويشعر بكل ما حوله ويتفادى الاصطدام بأى جسم وهو يسرع فى الهرب من أى ملاحقة.. وتبلغ سرعته القصوى أكثر من خمسة كيلومترات فى الساعة.. أى أنه يقطع ما يوازى خمسين ضعف طوله فى الثانية الواحدة.. يملك شفتين لكنه لا يملك قلبًا.. ويتنفس عبر كل خلايا جسده ويعتمد أكثر على خلايا ظهره.. فإن انقلب على ظهره يموت هذا الكائن الذى يتحدى كل الظروف الطبيعية الصعبة والأمراض والأوبئة.. وأحيانًا هو الذى يقلب نفسه على ظهره لا لينتحر وإنما ليحمى خلايا الظهر خوفًا من أى خطر.. فإن لم ينقلب على ظهره ولم يتم قتله فهو لا يموت إلا نتيجة الشيخوخة التى تدركه حين يقترب من شهره الثامن عشر.. إذ أن هذا الكائن بعد أن يعيش قرابة العام ونصف العام يصاب بالضعف وتيبس المفاصل ويعجز عن الجرى.. وكانت أنجيلا ريدجيل.. الأستاذة بجامعة كيس ويسترن الأمريكية.. هى صاحبة الدراسة الأشهر والأهم والأكثر إثارة عن شيخوخة هذا الكائن الغريب.
    ويستخدم كثيرون جدًا فى بلادنا التشبيه بالصرصار للتقليل من شأن الآخرين الذين يكرهونهم أو على الأقل لا يحترمونهم.. وثقافتنا كلها شفوية أو مكتوبة اقترن فيها لقب الصرصار بضآلة الشآن أو الحجم والقيمة والمكانة.. ليس هذا فقط.. بل ارتبط الصرصار أيضًا فى المفهوم العام بالقرف وأحيانًا بالخوف أيضًا والفزع والارتباك.. وإذا كان هناك بعض الرجال اخترعوا فى مصر مثلاً شعبيًا يقول (صرصار على الحيط ولا ست فى البيت).. فإن الصرصار فى أى بيت يتحول فورًا ولدى الجميع إلى شهادة على عدم النظافة أو عدم الترتيب والاعتناء بالبيت وإدانة لجميع سكانه.. وهناك بلدان قليلة فى العالم يأكل أهلها الصراصير ويجدون مذاقها شهيًا لا يقل عن متعة تناول اللحوم أو الأسماك
    وهناك من يؤكد أن الصراصير وحدها هى التى استطاعت احتلال الولايات المتحدة الأمريكية التى بات فيها صراصير أكثر من اى دولة اخرى فى العالم .. وبدأ العلماء الأمريكان ينجحون فى اكتشاف المادة التى تفرزها أنثى الصرصار لاجتذاب الذكر وإغوائه.. ويأمل العلماء فى أن يساعدهم ذلك للقضاء نهائيًا على الصراصير.. والمثير فى الأمر أن تلك المادة ذكية الرائحة تشبه مادة الفيرمون الذى يفرزها المخ البشرة عند الإحساس بالحب أو البهجة.. ويقول العلماء إن مادة عطرة تنبعث من جسد أنثى الصرصور الألمانى لإعلام الذكر باستعدادها للجماع وهى مادة كيميائية تسمى فيرومون بحسب الدكتور كورنيل ويندل .. ويختلف الصرصار عن الكائنات الأخرى فى أن أنثاه لا تحتاج إلى لقاء آخر مع أى ذكر وإنما يكفيها هذا اللقاء الأول والأخير لتبقى قادرة على وضع بيضها طوال عمرها.. وهو اللقاء الرومانسى والتاريخى الذى تصحبه موسيقى لازمة طيلة فترة اللقاء هى نفسها هذا الصوت المزعج الذى يضيق به ويكرهه الإنسان.. وبالتأكيد فإن حكاية اللقاء الواحد الكافى للإنجاب طوال العمر بالنسبة للصراصير يبقى سببًا كافيًا لأن تبقى بيننا ووسطنا وعلى الأرض بكل هذه الأعداد الهائلة التى تجعلها من أكثر الكائنات عددًا وانتشارًا على سطح الأرض
    منقول من جريدة المصري اليوم للكاتب الكبير ياسر ايوب 
    المحور نيوز
    @مرسلة بواسطة
    كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع المحور نيوز .

    إرسال تعليق